المقالات

موريتانيا الظاهرة .. والسؤال!

وأمّا السّؤال فهو هل سمعت عن رئيس عربيّ ترك السّلطة طواعية بعد انتهاء مدته الرئاسية إلّا وقد توفّاه الله أو مات مقتولاً أو مسموماً أو مشنوقاً؟ أو قد غادر الحكم مخلوعاً أو مقلوباً أو مقتلعاً كما وصف مؤخراً وزير الدّفاع السّوداني عوض بن عوف الرّئيس السوداني عمر البشير عندما أزاحه عن الحكم؟!

إن لم تخنّي الذاكرة فقد كان أفضل الأحوال عندما ترك الرّئيس التونسي السّابق المنصف المرزوقي الرّئاسة عام  2014. وقتئذٍ لم يجدد له الشعب التونسي لدورة رئاسية ثانية بعد أن تم انتخابه رئيس توافقي بالتزكية من المجلس التأسيسي التونسي بأغلبية الأصوات ديسمبر 2011. ولم يكن بيده فعل غير ذلك وإلا لقي نفس مصير المخلوع سابقه الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي. ومن وقتها يبدو أنّه لم يستوعب أثر الصدمة فلم يكفّ عن إطلاق التّصريحات العدائية لبعض التيارات داخل تونس بالإضافة إلى تدخّلاته الفجّة وغير المقبولة في شؤون الدول المجاورة التي يعتقد أنّها كانت سبباً في إزاحته من الحكم! وذلك بالطبع بعد استبعاد ما يسمى بديمقراطية التقسيم الطائفي في لبنان.

الظّاهرة هي أن ذلك الشيء الغريب والنادر بل الذي يكاد يكون منعدماً في وطننا العربي ويدعي التداول السلمي للسلطة، سوف يحدث أخيراً في الثلاثين من يونيو القادم في جمهورية عربية وإسلامية لا يكاد يعرفها كثيرين. تقع أقصى شمال غرب القارة الأفريقية على سواحل المحيط الأطلسي  جنوب دولتي الجزائر والمغرب. مساحتها كمساحة مصر تقريباً وضعف مساحة دول الخليج مجتمعة إذا أستبعدنا المملكة العربية السعودية!

حيث ستنتهي الدورة الرئاسية الثانية والأخيرة للرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز حسب الدستور الموريتاني الّذي تمّ إقراره عام 2006 أثر انقلاب عسكري قبل ذلك التاريخ  بعام واحد أطاح بالرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع  الذي قبع في الحكم أكثر من عشرين عاما بقيادة العقيد أعل ولد محمد فال الذي سلم السلطة للشعب في غضون عامين أسس فيها هذا الدستور العصري.

الرئيس ولد عبد العزيز الذي لم يتجاوز الخامسة والستين من عمره أحد أصغر الزعماء العرب وأوفرهم صحة رفض كلّ الدعوات من حزبه ومن كثير من المنافقين والمتملقين تزخر بهم دائما البلاد العربية لتعديل الدستور بما يسمح له الترشح لدورة رئاسية ثالثة رغم أمتلاك حزبه أغلبية برلمانية تمكنه من ذلك محققا لبلاده وللعرب حلما طالما طال انتظاره !

ربما يقول بعض المتحذلقين المتابعين للشأن الأفريقي إنّ من المرشح أن يخلفه هو رفيق دربه الفريق محمد ولد الغزواني وزير الدفاع السابق ومرشح الحزب الحاكم. لكن حتى لو حدث هذا فلن يفسد فرحتنا بسطوع هذه الظاهرة في وطننا العربي. “الظاهرة ” التي هي في الأصل أصبحت من المسلمات مثل الماء والهواء في أغلب دول العالم.

“الحكيم من يغادر الحكم قبل أن يغادره” هكذا قالها ليوبولد سيدار سنغور  أول رئيس لدولة السنغال ومحررها وشاعرها ومؤلف نشيدها الوطني “الأسد الأحمر” عندما ترك الحكم طواعية عام 1980 قبل انتهاء مدته الرئاسية. قالها سنغور منذ أربعين عاماً تقريباً وسمعها الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز  جيداً، ربما لقرب المسافة حيث توجد دولة السنغال في الحدود الجنوبية لدولة موريتانيا. لكن يبدو أنه لم يسمعها جيداً باقي الزعماء العرب ربما لبعد المسافة !

يوحنا أنور داود

كاتب مصري متخصص في الشأن الأفريقي

مقال للكاتب المبدع يوحنا داود بصحيفة النافذة الإخبارية الكويتية

Leave a Response