المقالاتثقافة عامة

الأنا والآخر/ الذات و الموضوع

الأنا والآخر/ الذات والوضوع:

ليس الحديث عن هذه الثنائيات بالجديد؛ فقد ظل مطروحا دائما بحدة وإلحاح؛ خاصة في الفلسفة والأدب لأن مدار هذين المجالين على مثل هذه الثنائيات المتلازمة القائمة بالأساس على مرتكزات غير مادية، وإن كانت في أغلب تجلياتها واستخداماتها جوهريةً أكثر منها شكلية..

إن وجود الذات يستلزم بالضرورة وجود الموضوع، أو بتعبير آخر وجودُ الأنا يقتضي عقلا ومنطقا وجود الآخر في مقابله، ولأن الحياة لا بد أن يظل فيها الصراع قائما بين أطراف متنازعة بغض النظر عن طبيعة هذا النزاع فإن هذه الثنائية هي التي تعبر عن ذلك الصراع المستمر وتلك الحركية الدائبة، وعلى ذلك فقد أصبح لزاما على الإنسان – باعتباره الضامنَ الأوحد لاستمرارِ مؤدى هذه الثنائية – أن يجد حلا لهذا البعد المتعلق بكينونته وبقائه الفكري بحكم أفضليته على غيره من سكان هذا الكوكب..

لقد اختُصّ الإنسان دون غيره بميزة العقل الكبير وخاصية التفكير المطلق، فغدا سادنا للفكر وما يتعلق به من الأنساق الثقافية والاجتماعية، ونتيجة لذلك كله اضطر لافتعال حرب أبدية مع ذاته من أجل بقائه في الصدارة ولكي يبقى المحورَ الأبرز في المشهد والمركز الأكثر فاعلية على هذه الأرض، ولكن ما دام الباعث على هذه الحرب – التي في تصورنا حتمية – هو السيطرة التامة على أشياء الكون فلمَ تكون هذه الحرب مع الذات؟..طبعا ليس الجواب عن هذا التساؤل بالأمر الصعب لأن الإنسان – بدافع الغرور والإعجاب – لا يجد في الكون من يستحق أن يناصبه العداء إلا ذاته لذلك جعل منها ساحة لهذه الحرب وميدانا لهذا الصراع السرمدي فكانت النتيجة ميلادَ هذه الثنائيات التي تعبر شكلا عن مضمون هذا الخلاف المحتدم بين الإنسان والإنسان..

الأنا والآخر أكثر استخداما في الجانب الأدبي بينما يهيمن مقابلهما؛ أعني الذات والموضوع في الدراسات الفلسفية. والواقع أن الفرق بينهما ليس جوهريا بقدر ما هو شكلي إذ يدعو النسق الفلسفي العام إلى الجنوح إلى الذات في مقابل الموضوع، وتعليل ذلك أن الذات أكثر غوْصا في خبايا الأنا من الأنا نفسه فهي منكفئة على نفسها وغير قابلة للتمدد لانغلاقها؛ فيكون التعبير بها للدلالة على عمق العمق أكثرَ دقة بينما نرى الموضوع ذا بعد انفتاحي يبدأ من حدود الذات الأبعد من عمقها والأدنى منه ويستمر في الانتشار المادي والمعنوي حتى حدود الآفاق التي تشمل كل الموجودات في العالم السفلي، ولعل لها صلةً بالعالم الأعلى، غير أن هذه العلاقة محكومةٌ بقوانينَ أخرى.
هذا في الوقت الذي يكثر في الأدب الاستعانةُ بالأنا والآخر بدل الذات والموضوع وهذا في النسق الثقافي والاجتماعي يبدو أكثر وجاهة لأنه أكثر وضوحا وأقل تعقيدا؛ ذلك أن الأنا – وإن كان في الحقيقة لا يعدو ترجمة للذات – يصدق على الذات والأشياء التي تخصها في المحيط الذي تشترك فيه مع غيرها ممن لا يحمل صفاتِها الكليةَ، لذا يظهر مدى الارتباط الضدي بين التعبيرين، وأما الآخر الذي يقابل الأنا من هذه الزاوية فيتحدد مكانه الصحيح من مكان الأنا كما يتحدد مكان الموضوع من مكان الذات مع الفارق بينهما من حيث الاتساعُ أو الضيق.

إن هذه الثنائية تستهدف بشكل واضح وجلي علاقة الفرد بذاته أو علاقته بغيره فعلاقته بذاته (الذات أو الأنا) لا تتعدى تلك المشاعر المختلطة التي لا تتجاوز مساحة ضيقة في البعد المادي، ولكنها تتسع في البعد الحسي أيما اتساع، بيد أن هذا الاتساع والتمدد خارجان عن مشمول هذه الثنائية .
أما علاقة الفرد بغيره (الآخر أو الموضوع) فتبدأ من الحدود الأدنى إلى الذات وتشمل ما وراء ذلك إلى ما شاء الله، وانطلاقتُها تكون من المحيط الأقرب فالذي يليه حتى تصل حدود العالم الأكبر، وكل هذه المحطات تمثل الآخر أو الموضوع ويطبعها الصراع دائما وأبدا لأن البقاء فيها للأقوى وليس للأصلح مع نسبية الأمرين، كما أن الذات أو الأنا محل اشتمال لكثير من الصراعات ذات العلاقات السببية والنزاعات المفرطة حول هيمنة طرف ما، لكن السمة الأبرز لهذه الحلقة هي ضيق الرقعة محلّ النزاع على كثرة ما يعتمل فيها.
إننا إزاء هذا مجبرون على طرح التالي:

هل تتيح المعطيات الموجودة عن مفاهيمَ مثل الشر والخير والوجود والعدم والحركة والثبات … إلخ فهما جديدا لهذه الثنائية أم تراها مجرد إعادة صياغة لها على أساس الغلبة الفكرية لتصورٍ ما لدى الإنسان نشأ عبر اختلاف تكوين الأناسيّ واستعدادهم لاستقبال الصدمات الذهنية التي كُتبت على البشر في رحلتهم الأزلية هذه؟؟؟

Leave a Response